الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
259
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تصوروا هل يمكن شرب الماء الذي إذا اقترب من الوجه فإن حرارته ستشوي الوجه ؟ إن ذلك بسبب أنهم شربوا في الدنيا أنواع المشروبات المنعشة والباردة ، في حين أنهم أججوا في قلوب المحرومين نيرانا ، إن هذه النار هي نفسها التي تجسدت في الآخرة بهذا الشكل . والطريف في أمر هؤلاء أن القرآن ذكر لهم بعض " التشريفات " وهم في جهنم . لقد كان لهؤلاء في حياتهم الدنيا ( سرادق ) عالية وباذخة ليس فيها نصيب للفقراء ، وهذه السرادق ستتحول إلى خيام عظيمة من لهيب نار جهنم ! وفي هذه الدنيا تتوفر لديهم أنواع المشروبات التي تحضر بين أيديهم بمجرد مناداة الساقي ، وفي جهنم يوجد أيضا ساق وأشربة ، أما ما هو نوع الشراب ؟ إنه ماء كالمعدن المذاب ! حرارته كحرارة دموع اليتامى وآهات المستضعفين والفقراء الذين ظلمهم هؤلاء الأغنياء ! نعم ، إن كل ما هو موجود هناك ( في الآخرة ) هو تجسيد لما هو موجود هنا ( في الدنيا ) . وبما أن أسلوب القرآن أسلوب تربوي وتطبيقي ، فإنه بعدما بين أوصاف وجزاء عبيد الدنيا ، ذكر حال المؤمنين الحقيقيين وجوائزهم الثمينة الغالية التي تنتظرهم جزاء ما فعلوا . لقد أجملت الآية كل ذلك بشكل مختصر ، ثم بشكل تفصيلي نوعا ما . ففي البدء قال تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أي إننا لا نضيع أعمال العاملين قليلة كانت أو كثيرة ، كلية أو جزئية ، ومن أي شخص وفي أي عمر كان : أولئك لهم جنات عدن ( الجنات الخالدة ) . تجري من تحتهم الأنهار ( من تحت الأشجار والقصور ) . يحلون فيها من أساور من ذهب ( 1 ) .
--> 1 - " أساور " جمع " أسورة " على وزن " مشورة " وهي بدورها جمع ( سوار ) على وزن ( غبار ) و ( كتاب ) وهي في الأصل مأخوذة من كلمة فارسية عربت واشتقت منها الأفعال العربية .